قل لا وتحمّل تبعاتها، 3 دروس قاسية علّمتني إياها الحياة

قل لا وتحمّل تبعاتها، 3 دروس قاسية علّمتني إياها الحياة
Photo by Khalil Yamoun on Unsplash

الحياة قاسية في دروسها، هناك ثمن ستدفعه نظير هذه الدروس. دروس الحياة تختلف عن تلك الدروس التي تتعلمها في المدرسة أو على يد مدّرس متخصص لقاء بضعة جنيهات شهرياً.
هذا يا عزيزي ثمن بخس مقارنة بثمن الدروس التي تعلّمها إياك الحياة. قد يكون الثمن عافيتك، نفسيتك، روحك، أو أحبابك. ثمن غالي لا يمكن تعويضه إلا بتعلّم الدرس وعدم الوقوع فيه مرة أخرى.

أنا واحد من هؤلاء الذين علّمتهم الحياة دروساً عدّة، ودفعتُ ثمن تلك الدروس فوراً بدون تقسيط أو مراعاة لظروفي. أشاركُ معكم تلك الدروس ضمن مبادرة علمتنا الحياة والتي أطلقها زميلي عامر.

1- لا تنتظر فلن يأتي الوقت المناسب أبداً


آه من هذه المقولة التي تفوّه بها نابليون هيل في لحظة صدق، كم وددتُ أن ألصقها في الشوارع وعلى أبواب البيوت وفي كل مكان تصل إليه الأعين.

لا تنتظر أن تجد الوقت المناسب لدراسة الكورس المهم جداً في مجال عملك، قم وابدأ فيه الآن ولو خمسة دقائق فقط.
لا تنتظر أن تجد الوقت المناسب لتعترف بحبك لشخص ما، ليس بالضرورة حبيب أو حبيبة. اذهب واخبرهم بحبك قبل فوات الأوان.لا تنتظر أن تجد الوقت المناسب لتكون شخصاً ناضجاً كاملاً، تخلّ عن وهم المثالية وارتكب الأخطاء والحماقات، لا توجد طريقة أخرى للتعلّم سوى هذه.

كيف تعلمت هذا الدرس؟
جدتي لوالدتي كانت وما زالت من أقرب الناس إلى قلبي، بيت جدتي كان ملجأي الوحيد حينما أملّ من بيتي وأخرج منه غاضباً، أجدُ قدماي تحملني تجاه البيت الذي تسكنُ فيه مَن تسمعنى بلا كلل أو ضجر وتربت على كتفي وتواسيني. كنت متعلقاً بها أكثر من أي شخص آخر، يومياً كنت أخصص دقائق لزيارتها ولم أخالف هذه العادة منذ سنين طويلة.

في أواخر أيامها مرضت ودخلت المستشفى، كان ذلك بالتزامن مع مواعيد امتحاناتي. بالطبع زرتها في المستشفى لكن ما قبل دخولها المستشفى ومكوثها في الفراش، لم أزرها كثيراً نظراً لانشغالي بالمذاكرة. كنت أقنع نفسي أن غداً سأذهب إليها ويأتي الغد ولا أذهب. وأشدّ ما أوجع قلبي أنها في عزّ مرضها في فراشها سألت عنّي. ظللتُ أنتظر الوقت المناسب حتى فوجئت بدخولها العناية المركزة وزرتها ولكن للأسف لم تكن بكامل وعيها كما كانت على فراشها. وبعد أيام قليلة فارقت الحياة تاركة في قلبي غصة ما زلت أشعر بها حتى الآن.

وليتني تعلمت هذا الدرس من مرة واحدة، للأسف تكرر الأمر مرة أو مرتين بعدها مع أقارب لكنهم أقل منزلة في قلبي. لكن الدرس هو نفسه: يمرض قريب لي ويدخل المستشفى وربما العناية المركزة وأنوي الذهاب لزيارته ولكني أنتظر الوقت المناسب، أنتظر حتى أفرغ من أعمالي ودراستي أو حتى إن كنت لا أفعل شيئاً، أنتظر أن آخذ القرار. وأفاجيء بعدها وفي الصباح الباكر أو في عتمة الليل أسمع خرخشة الميكروفون في غير أوقات الأذان فيتسرب إليّ إحساس مؤكد بما سيقال في الثواني القادمة ونادراً ما خاب ظني واكتشف أنني كالعادة ظللت أنتظر حتى فات الأوان.

2- قل لا وتحمّل تبعاتها.


فيما يتعلق بمستقبلك أو اتخاذ أي قرار مصيري خاص بك وحدك، استشر طبعاً من تريد لكن في النهاية خذ قرار يناسبك أنت لا لمجرد أنه مناسب لمن حولك. ولمزيد من التوضيح سأحكي كيف علمتني الحياة هذا الدرس والذي هو أهم درس تعلمته ودفعت ثمنه وما زلت!

بعدما انتهيتُ من الثانوية بمجموع 97.5٪ وحين جاء وقت التنسيق، لدينا في مصر وبكل أسف نظام يسمى بالتوزيع الجغرافي أسألُ الله أن يجازي واضعه ويحاسبه بالعدل يوم القيامة وأن يُسأل عن حكمته من هذا النظام.

المهم، هذا النظام يحتّم عليك كتابة الكُليات التي في محافظتك أولاً. طيب أنا من المفترض أكتب أول رغبة كلية هندسة بني سويف، وهذه الكلية افتتحت حديثاً وتفتقر لأدنى الإمكانيات الأساسية، لا معامل، لا وِرش، لا أساتذة جامعيين ذوي خبرة، بل وحتى لا أماكن للسكاشن! وباستشارة مدرسين وزملاء ممن درسوا في هذه الكلية الكل أجمع على أنها غير مؤهلة وما زال أمامها سنين طويلة لكي يمكن أن نعتبرها كلية محترمة.
حتى أستاذي -رحمه الله- الذي كان يدّرس لي في الثانوية حينما زارني ليهنئني على نتيجتي قال لي بالحرف الواحد وفي حضور والدي “لو دخلت هندسة بني سويف اعتبر نفسك مدخلتش هندسة، حاول تفلت منها”

تأكدتُ من أن هذه الكلية لا تناسبني ولا تناسب طموحي وفكرتي عن مستقبلي، ما العمل؟!.. أخبرتُ أبي أنني لن أدخلها. كيف؟ وماذا سنفعل في مشكلة التوزيع الجغرافي في التنسيق، لا بد من كتابة محافظتك أولاً.

بسيطة سأكتبها كرغبة أولى وستأتي بلا شك، لكن هناك حيلة قانونية مُجدية وفعلها الكثير قبلي. ما هي؟
سأقوم بتغيير محل إقامتي في المحافظة التي أنوي دراسة الهندسة فيها، أريد دراسة الهندسة في جامعة القاهرة. حسناً سأغيّر محل إقامتي إلى هناك وبالتالي بعدما تظهر نتيجة التنسيق والتي أنا على علم بها مُسبقاً (هندسة بني سويف) أستطيع حينها أن أقوم بتقليل الاغتراب بكل سهولة وأحصل على هندسة القاهرة. وبالنسبة للمجموع فأنا والحمد لله طاير في العالي، لم يكن المجموع هو المشكلة. بل كان أبي!

لم يوافق، وظل يماطل ويتحدث معي بشأن هذا القرار وأنه قرار خاطيء ولا أريد لك الابتعاد عن المحافظة وكيف ستدبّر أمور مسكنك ومأكلك ومصاريفك. ووصّى أقاربي ممن يستطيعون التأثير عليّ عاطفياً لمحاولة تثبيطي عن هذا القرار وذكر مساوئه وعيوبه.

خمّنوا ماذا؟ لقد وافقت على ما اختاروه هم لمستقبلي أنا، لم أتشبّث برأيي. لم تكن لديّ الشجاعة الكافية وقتها لأقول لهم لا هذا مستقبلي أنا ويحقّ لي أن أحدده كيفما أرى. لم أكن أمتلك عقلية كالتي أمتلكها الآن.

لو عاد بي الزمن؟ أه لو هناك احتمالية أن يعود، سأقفُ في وجه الكل بلا استثناء وأقول بملء فمي: لا وألفُ لا، مستقبلي ولا أحد غيري سيتحمّل نتيجة قراري.

الآن؟ أنا فاشل في الكلية وأرسب كثيراً، أذكر أنني في السنة الأولى في الكلية حينما رسبت في مادة وكان هذا حدث جلل بالنسبة للأسرة! نظراً لأنني كنت متفوقاً طيلة سنوات التعليم الماضية. بيد أنه لم يكن كذلك بالنسبة لي، جلس مع أبي حينها مذهولاً ويجّهز نفسه لوابل من اللوم والتوبيخ لي، ما إن سألني لماذا حتى أجبتُ بكل هدوء وثقة: هذا صنيعكم، أنتم السبب. وقفتم ضد إرادتي ورغبتي، قلت لكم لن أتأقلم مع هذه الكلية ومستواها المتدني، لن أستطيع حفظ شيء لا أفهمه، والدكاترة هناك يعتمدون على ذلك! حاسبوا أنفسكم، أما أنا فرغبتي في هذه الكلية انعدمت ونسيت أصلاً كيف تكون المذاكرة ونسيت ليالي الثانوية الرائعة حين كنت أجلس بالساعات بين أكوام من الورق والكتب وأذاكر بكل شغف ومتعة دون استياء.

أما الآن فلا أطيق الجلوس لبضعة دقائق فقط لأذاكر قوانين ومسائل لا أفهم أي شيء منها. يا أبي لا تلمني، هذه فقط البداية. القادم أسوأ بكثير. وبالفعل لم تخطيء نظرتي، إلى الآن ما زلت أعاني من تبعات قرار لم أتخذه!

أحدّث نفسي كثيراً وأتخيل لو أني امتلكت الشجاعة لأقول لا وأتمسك بقراري وليغضب من يغضب، كيف سيكون شكل حياتي. بكل تأكيد سواء كانت أفضل أو أسوء من الآن فأنا لن أتذمر ولن أغضب فالقرار كان قراري وسأتحلى بالشجاعة لأتحمّل كل تبعاته.

الشاهد؟ قل لا وتحمّل تبعاتها، لا تدع أحد يحدد لك مستقبلك خاصة لو كانت قرارات مصيرية مثل هذه لا تحتمل المجازفة، في النهاية أنت وحدك من ستعاني. ومن اتخذ لك القرار نيابة عنك لم يخسر شيء كما هو الحال معي. لم يخسر والدي ولا كل من أقنعوني بالقرار أي شيء. أنا وحدي من خسرت ومن أعاني وأحاسب على مشاريبهم.

3- الثروة العظمى هي؟


ليست المال ولا الأهل ولا الأولاد ولا الأصدقاء، بل الثروة العظمى هي الصحة. نعم تستحق أن تكون كذلك وأكثر، ما الفائدة إذا كنتَ مليونير وأنت طريح الفراش غير قادر على الاستمتاع بمالك؟ ما الفائدة من الأهل والأولاد والأصدقاء إن لم تكن تتمتع بصحة جيدة تمكّنك من الخروج معهم والاستمتاع بصحبتهم؟

علّمتني الحياة هذا الدرس حينما أظهرت لي مدى ضعفي ومدى إهمالي في صحتي بعد أن باغتتني أوآخر 2018 بمرض الدَرَن (السُل سابقاً) واضططرتُ -وكان أفضل اضطرار في حياتي- إلى المكوث في المستشفى لمدة شهرين كاملين لأتلقى العلاج اللازم.

خلال فترة مكوثي في المستشفى وبما أنني كان لديّ وقت كبير أقضيه مع نفسي في صمت وهدوء دون أن يقاطعني أحد، من هنا بدأتُ في التفكير في العشرون عاماً الفائتة من حياتي وقضيتُ ساعات طوال أحاولُ البحث عن إجابات لأسئلة لم أستطع طرحها على نفسي في الوضع العادي والطبيعي نظراً لكثرة المشاغل والتيه في زحمة الحياة.

باختصار، مررتُ بمرحلة البحث عن ذاتي الحقيقية، لذلك ذكرتُ في مرات كثيرة أن هذه التجربة التي استمرت شهرين كاملين خرجتُ منها شخصاً آخر أكثر وعياً بأهدافه في الحياة وكيفية تحقيقها. وكان أول أهدافي بعد خروجي من المستشفى هو إعطاء أولوية قصوى وعاجلة للصحة ولجسدي وكيفية الاهتمام به حتى أستطيع مواصلة تحقيق أهدافي بنجاح، فبغير جسد سليم وصحة قوية لن أقوى على فعل أي شيء مما أصبو إليه.

ولأن المقال قد طال فسأترككم مع مقال آخر حكيتُ فيه تجربتي مع المرض أرجو الاطلاع عليه.
نقطة التحول التي غيّرت حياتي، تجربة شخصية مع المرض.

علّمتني الحياة دروساً عدة في فترة قليلة، ذكرتُ لكم جزء يسير منها، وهنا في مقال على حسابي على الفيس بوك مع نهاية عام 2019 ذكرتُ بعض الدروس التي خرجتُ بها من هذا العام، ربما يفيد أيضاً.
طلعت بإيه من 2019؟


اكتشاف المزيد من مدونة هشام فرج

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

10 رأي حول “قل لا وتحمّل تبعاتها، 3 دروس قاسية علّمتني إياها الحياة

  1. A great experience! Thank u so much for ur words!
    but I only have a very simple thing I shall say about ur college ! GO FOR IT HESHAM !! and TRY MORE AND MORE AND MORE ! and never give up .
    الله يعين من يحاول فلا تتوقف 💗 .

    1. أشكرك ع تعليقك ومشاركتك جداً. 🙏
      بحاول ع قدر ما أقدر لحد ما ربنا يكرمني ويخلّصني منها، بس حقيقي دي الحاجة الوحيدة اللي مش قادر أطبّق فيها أي نوع من أنواع التحمّل والمحاولة والإصرار، الموضوع أكبر بكتير.

  2. المقال جيد ومفيد يا هشام
    أنصحك لوجه الله أن تبتعد عن اليأس والاحباط وأن تتحلى بالصبر والمثابرة والاجتهاد وأن تحاول كثيراً حتى تصل للنجاح والتميز بإذن الله ، مشكلتك مع الدراسة الجامعية كما ترويها بالضبط حدثت مع أحد أقاربى مع اختلاف الكلية وكان يرسب أيضا لكنه فى النهاية تخطى ذلك وحصل على الشهادة الجامعية ،قد يكون ذلك كله ناتج من عوامل نفسية لديك ترفض الدراسة أصلاً بسبب الإجبار عليها لذلك حاول أن تُدرب نفسك على قبول الدراسة مرة بعد أخرى وستكون الظروف أفضل بإذن الله وهناك مثل شعبى يقول ( لو جالك الغصب خليه بالرضا ) .
    أتمنى لك دوام الصحة والعافية والسعادة وفى انتظار أن تُعلن عن نجاحك وحصولك على الشهادة الجامعية قريباً بإذن الله

    1. تسلم يا عمر، كلماتك أسعدتني. 🙏
      لكن أنا بقالي 6 سنين بحاول أتعايش وأتقبّل الموضوع بس كل مرة بفشل، تقريباً عندي إصرار واجتهاد في أي حاجة في حياتي إلا في الحاجة دي. أديني في آخر سنة ربنا يعديها ع خير.
      🤲

      1. حاول ولا تيأس وسيبها على الله يا هشام
        بإذن الله هتعدى على خير وتنجح وتفرح
        ربنا يكتب لك التوفيق والنجاح فى حياتك كلها آمين

  3. الوقت المناسب لن يأتي أبداً .. هذا صحيح تماماً .. لن يأتي الوقت المناسب أبداً إلا لو أتينا نحن به .. هذا يتطلب الكثير من الاصرار وتغيير العادات اليومية والقناعات الراسخة عبر الزمن
    بالنسبة للدراسة الجامعية .. يجب أن تجد حلاً ما .. هذه سنوات تضيع ولا بد من مخرج يحقق نتيجة عملية
    بالنسبة للصحة .. شعرت بذلك عندما بدأت معدتي تخبرني بطريقها الخاصة أن زمن الأكل بدون حساب وزمن أكل جميع ما أشتهيه قد ولّا

    أشكرك جداً هشام على مشاركتك في المبادرة

اترك رداً